آفاق جديدة

الإلتزام بقرار الدولة تعليق الجمعة واجب في المذاهب الأربعة

جمعة, 03/04/2020 – 18:39

الالتزام بقرار الدولة تعليق الجمعة واجب في المذاهب الأربعة

بقلم: محمد يحيى ابن احريمو :  الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه. وبعد فإن ولي أمر المسلمين إذا حكم بتعليق صلاة الجمعة لمصلحة وجبت طاعته وبطلت صلاة من خالفه؛ هذا مقتضى النصوص والقواعد، وهو محل اتفاق من بين المالكية قطعا؛ والظاهر أنه محل اتفاق بين المذاهب الأربعة كما سنبينه إن شاء الله. أما مذهب مالك فقيه قولان أحدهما باشتراط إذن الإمام في الجمعة، وهو قول يحيى بن عمر، والثاني أنه غير مشترط؛ فأما على القول الأول فلا إشكال، وأما على القول الثاني وهو أن إذن الإمام ليس بشرط فقد ذكر ابن أبي زيد في النوادر(1/ 452) عن أشهب في المجموعة – وهو من القائلين بعدم شتراط الإذن- أن الإمام إن منعها لغير مضارة أو قصد فاسد لم تسغ مخالفته، وأنهم إن صلوها افتياتا لم تجزهم ووجبت إعادتها. ووجه سند كلام أشهب هذا بأنه محل اجتهاد فإذا نهج فيه السلطان منهجا لم تجز مخالفته ووجب اتباعه كالحاكم إذا قضى بأمر فيه اختلاف بين العلماء فإن حكمه ماض غير مردود؛ ولأن الخروج عن حكم السلطان سبب للفتنة والهرج، وذلك لا يحل فعله، وما لا يحل فعله لا يجزئ عن الواجب انتهى (مواهب الجليل للحطاب 2/ 174) وقد نقل البناني نحو ما ذكرنا عن ابن غازي والمسناوي وبين أن قول خليل “ووجبت إن منع وأمنوا” محله حيث لم يكن المنع اجتهادا، وتردد البناني في حمل كلام سند على هذه الصورة، وكأنه لم يقف على كلام النوادر ومن وقف عليه ظهر له ذلك بوضوح وبالله التوفيق. فالحاصل أن مقتضى كلام ابن أبي زيد وابن غازي والمسناوي أن هذا الأمر محل اتفاق. وأما المذاهب الأخرى فإن أبا حنيفة يشترط إذن السلطان، وهو رواية عن أحمد وقول للمالكية كما أسلفنا وعليه فالأمر واضح؛ وأما الشافعي فلا يرى اشتراط إذن السلطان؛ لكن في كلام أصحابه ماهو صريح في أن الامام إن منع الجمعة اجتهادا وجبت طاعته؛ قال الشيخ أبو بكر عثمان بن محمد الدمياطي الشافعي في إعانة الطالبين: “الا يشترط إذن الإمام أو نائبه، وعن الشافعي والأصحاب أنه يندب استئذانه خوف الفتنة، وخروجا من الخلاف، وأما تعددها فلا بد من الإذن لأنه محل اجتهاد انتهى (إعانة الطالبين 2/ 70) وهو صريح في أن إقامة الجمعة حيث كانت محل اجتهاد كما في هذه النازلة وجب العمل بحكم الحاكم فيها. وغير خاف على من رزق حظا من العلم أن منع الاجتماع للجمعة خشية انتشار الأمراض المعدية عملا بالظن الغالب: من قبيل حفظ الأنفس المعصومة، وذلك من المقاصد الكلية الضرورية التي اتفقت الشرائع على مراعتها كما قال سيدي عبد الله في مراقي السعود: دين ونفس ثم عقل نسب @ مال إلى ضرورة تنتسب فحفظها حتم على الإنسان @ في كل شرعة من الأديان قال الإمام ابن عاشور في مقاصد الشريعة: “أما حفظ الأنفس فمعناه صيانتها من التلف، أفرادا وجماعات؛ والقصاص هو أضعف أنواع حفظ النفوس؛ لأن الأهم من ذلك حفظها من التلف قبل الوقوع، كمقاومة الأمراض السارية، ومنع الناس من أن تدركهم العدوى بدخول بلد قد انتشرت فيه الأوبئة انتهى كلام ابن عاشور وهو كلام نفيس يحز في مفصل النازلة؛ غير أن في تهوينه من القصاص نظرا فهو مشروع للعقوبة ولمقاومة وقوع الجرائم مستقبلا كما قال تعلى: (ولكم في القصاص حياة) وكلامه في التفسير يقتضي ذلك. ومن المقرر في علم المقاصد أن كلي حفظ الأنفس مقدم على جزئي الدين والجمعة من هذا القبيل. ولا يظن ظان أن صلاة الجمعة من العبادات التي لا يتعلق بها حكم الحاكم ونظره؛ فقد بين إمام الحرمين في الغياثي أن ما كان من العبادات شعارا ظاهرا في الإسلام تعلق به نظر الحاكم، قال: “وذلك ينقسم إلى ما يرتبط باجتماع عدد كبير، وجم غفير كالجمع، والأعياد ومجامع الحجيج، وما لا يتعلق باجتماع كالأذان، وعقد الجماعات فيما عدا الجمعة من الصلوات. فأما ما يتعلق بشهود جمع كبير؛ فلا ينبغي للإمام أن يغفل عنه، فإن الناس إذا كثروا عظم الزخام، وجمع المجمع أخيافا، وألف أصنافا؛ خيف في مزدحم القوم أمور محذورة. فإذا كان منهم ذو نجدة وبأس يكف عادية إن هم بها معتدون؛ كان الجمع محروسا ودرأت هيبة الوالي ظنونا وحدوسا” (الغياثي 199) هذا كلام إمام الحرمين وهو صريح في مسألتنا. وهذا من قبيل الاجتهاد في تحقيق المناط الذي لا ينقطع إلى قيام الساعة لتوقف التكليف عليه. وقد ذكر العلماء الأعذار الموجبة للتخلف عن الجمعة كالمطر والطين ولا شك أن الضرر المتوقع منها دون الضرر المتوقع في نازلتنا بكثير. كما بينوا أن من شروط الجمعة الأمن، وأنه يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة قال الفيشي في حاشيته على المختصر عند قوله: “تتقرى بهم قرية” ما نصه: “أي تنتظم بهم مصالحها، بحيث يأمنون على أنفسهم وأموالهم واولادهم والجماعة الذين تتقرى بهم لا يتقصون عن اثني عشر؛ فقوله بلا حد: “أي فيما زاد على الاثني عشر كثلاثين وأربعين، لأن هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمن والملوك والخوف” انتهى نقله العلامة محمد بن أحمد الصغير التشيتي في رسالته في الجمعة ونحوه لغير واحد من شراح المختصر لكن اخترت كلامه لوضوحه. ولا فرق بين خوف انتشار المرض قطعا أو ظنا،وخوف هجوم العدو إذ الكل راجع إلى حفظ الأنفس، كما تقدم في كلام ابن عاشور. ولهذا المعنى لم يصل النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة بمكة لعدم الأمن وصلاها الأنصار بالمدينة وقد ألغز بذلك أفلواط بن محمدُّ الجكني فقال: أسائل أهل العلم أي فريضة @ تأخر عن إيجابها فعلُها النبي ومن قبل صلاها من الصحب عصبة @ ولم يك إذ ذاك النبي بيثرب وبما ذكرناه يعلم أن قرار الدولة بتعليق الجمعة في هذا الظرف واقع موقعه، وأنه رافع للخلاف؛ كما هو شان حكم الحاكم في المسائل الاجتهادية؛ فإنه يرفع الخلاف؛ تحرزا من الهرج والفتن. وتجب طاعته فيه؛ وذلك من الطاعة في المعروف قال تعلى: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) وقال سبحانه: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما أخبره أنه يحكم باجتهاده فيما لا نص فيه: “الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يحب رسول الله” وأمر صلو الله عليه وسلم أهل اليمن بطاعته. فعلمنا ان طاعته في الاجتهاد واجبة. ولا يكاد العلماء يختلفون في تلك القاعدة والله الموفق.







Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى