السلطة الرابعة

سيد محمد متالي – السلطة الرابعة

في زيارة محنض باب..
يرتبط اسم محنض باب عندي بتاريخ من الإجلال و التقدير و العلم و المعرفة.. سواء تعلق الأمر بمحنض باب الكبير الذي سمتني أمي باسمه عندما ولدت عند سبخة آمنيكَير، غير بعيد من ضريحه..قبل أن يحول أب اسمي بعد ذلك باسبوعين ليعطيني اسم شيخه الشيخ سيدي محمد التاكَنيتي، رحمة الله عليه..
أو تعلق الأمر بمحنض باب بن امين الذي تلمذتُ نفسي عليه في الغيب دون أن أشعره بذلك منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي.. و تجدد ذلك العهد بيننا عندما سمعت تسجيلات صوتية من نظمه ( سلم الضعاف المرتقين).. الذي صحبته لفترة قبيل نهاية القرن الماضي..فوجدت فيه تربية روحية كنتُ بحاجة اإليها…
لم يكتب لي الله أن ألتقيَ ب( لمرابط محنض باب) قبل يوم الجمعة في اليوم الثاني من أيام عيد المولد النبوي..
كنتُ حاولتُ الالتقاء بالشيخ السنة الماضية.. و لكن بعض مرافقيَ حرمني اللقاء يومها..
بقيتٌ متشوقا إلى لقاء الرجل.. حتى صممت على التوجه إليه رفقة أخي و صديقي، المدير محمد فال ولد عمير إبي الذي توجهت معه عصر الجمعة من بلدة ( إحسي المحصر) إلى الشمال من مدينة المذرذره و كان معنا في الرحلة، كذلك، أخونا و صديقنا العزيز أحمد ولد إبراهيم ولد سيدي ميله..
انطلقنا بعد صلاة العصر على متن سيارة شخصية للمدير محمد فال . و كان يقودها بطريقة المجرب الخريت.. و ما كدنا تقطع ميلا من الأرض أدخلنا جوا روحانيا مريحا في قصائد لعبد الرحيم البرعي.. منها رحلته إلى ( البحور المكدشية) حيث يُغرف بالكف مستغنيا عن الأوشال..
أو في حديثه عن السيد النهاري في قصيدته الرائعة التي يستهلها بقوله:
رفاقي الظاعنين متى الورود@ و ذياك العُذيب و ذا زرود..
كان منطلق الرحلة من بلدة ( إحسي المحصر).. شمالي المذرذره.. حيث كان محصر ترارزه العريق الذي يصف العلامة سيدي عبد الل ولد رازكَه ساكنيه بقوله:
… خيام الناس لكن كل سجف@ يزاوج بين قسورة و ريم..
حيث كنا في ضيافة الفتى النابه الشهم السري.. سيد أحمد ولد الحامد.. من أسرة أهل بوبكر سيره.. المشهورين بأن أسرتهم أسرة ( النصف في الساحل).. فكم من سري أنجبته هذه الأسرة التي منها أحد الأوجه البارزة في الإمارة.. هو البطل المغوار و السياسي المحنك سيدي ميله.. رحمة الله على ضريحه في ( ابني نعجي.. على مشارف مدينة كرمسين).. و كان رفيقاي من أحفاده..
كان من المفروض أن نمر ببئر ( إكيكه).. تلك البئر التي حفرها الأمير المناضل.. محمد فال ولد عمير.. أشهر أبناء الأمير المجاهد أحمد للديد، رحمة الله عليهما…
يمر هذا الطريق قليلا إلى الشرق من (أغنجبرت)، حيث ضريح المرأة الصالحة أنبيكله بنت سيد ألمين، والدة الشيخ العلامة محمد اليدالي، الذي اشتهر بلقبه الديماني.. و هو من أبناء محمد سعيد اليدالي.. نسبة إلى يداج أكَدبرغه، أحد الخمسة الشمشويين..
كل غور و كل نجد في هذا الطريق الخصب يحكي قصة من تاريخ منطقة إيكَيدي..
كنا، و نحن نسلك طريق تلاميذ لمرابط محنض باب نهتز من النشوة بخمرة ذلك الوصل الذي طالما انتظرناه.. و نغمات الموسيقى تملأ آذاننا من مسجل السيارة الفاخرة، عابرة الرمال التي نستقلها..
كنا نتأرجح بين الرجاء و الخيبة… الرجاء أن نجد الشيخ في حلقته درسه، و الخيبة أن يهبط الليل و لما نصل تلك الحلقة التي تنفض عند هبوط الليل..
الذين يعرفون الطريق و وعرتها يقولون إننا لن نصل في الوقت.. و يكفي دليلا على ذلك أن الرئيس الغيني الذي زار المرابط منذ سنتين لم يستطع الوصول إلى تلك القرية الإيكَيدية الهادئة إلا عن طريق طائرة مروحية…
جاد الرئيس الغيني يومها بعشرات الملايين من العملة الصعبة هدية للمرابط.. لكنه ردّ عليه ماله.. و قدم له زجاجة عطر.. كما قدم لنا زجاجة عطر من النوع الراقي في نهاية حديثه معنا…
كنا على مسافة أقل من أربعة كيلومترات عندما بدأت أسطوانة السرعة تتأثر بوعورة المسلك.. لكننا لم نهتم لذلك.. فكان لسان حالنا ينطق بما قاله مادح عرابة الأوسي:
… إذا بلغتني و حملتِ رحلي@ عرابة فاشرقي بدم الوتين..
نزلنا من السيارة على بعد أقل من ثلاثمائة متر من الحلقة..
كان المكان “يتضوع مسكا كبطن نعمان مشت به زينب في نسوة خفرات..”..
سارعنا إلى الالتحاق بالحلقة.. و تم استقبالنا على تلك الرمال الذهبية النقية من قِبل رجل أربعيني معتدل القامة يتزيا و يعتم بالأبيض اليقق كجل الحضور في الحلقة التي توسطها الشيخ بثوبه الأبيض المتميز في تصميمه و عمامته التي أدار منها على رأسها معتمدا اعتمادا لطيفا على شابين من الجمع، أحدهما إلى اليمين. و هو شاب ثلاثيني قمحي اللون، غاضا الطرف، (لا أنه من نمير و لا أنه يقصر عن كعب و لا كلاب..)..
و عند يساره اعتم آخر بالأبيض.. فلم يُر منه غير عينيه.. و بدت قامته تشي بأنه لما يتحاوز، كثيرا، مرحلة الطفولة.. تحسبه يرتبط بآصرة نسب إلى ذلك البيت الذي أنجب العلامة محنض باب الكبير فمحنض باب المرابط الزاهد العابد.. قطب الزمان والمكان..
رفعنا الحضور درجة فدرجة حتى كنا نجلس في وجه الرجل.. الذي فاجأنا بالسؤال عن قصة جدنا المرابط حبيب الله بن المختار بن أعمر بن أوبوبك، المعروف بصاحب السم.. نزيل (ملزم الزريبه).. الذي كنا في زيارته ذلك الصباح..
سألنا عن قصة الحية معه.. هل كانت في قبل وصول والديه إلى مكة أم بعد أوبتهما… أكدتُ له أنني لا أعرف إلا أنني أرى أن ذلك كان قبل إحرامهما للحج..
سألني عن كيفية استخلاصهما للطفل من الحية.. فقلت له إنهما راوغاها مراوغة حتى خلصاه..
سألنا عن الحية.. فقلت له إني سمعت من بعض الأكابر أن جدنا كان يبني لها خباء في جوار خيمته و يتعهدها بالسقي.. و أضفت له معلومة أكدها هو نفسه أن والدة جدنا مدفونة في السنغال..
كان يطرح السؤال بعد الآخر.. و ربما أعاد إجابتي أو أعادها بعض الشاب الذي هو عن يمينه..
كنت أرفع صوتي، شيئا ما، بالإجابة..
قال لنا إن أهل إيكَيدي يقولون إن ذوات السم كانت لا تلدغ أي أحد على مسافة معينة من حي أبناء حبيب الله المختار.. فقلت له إن الذي أعرفه أن أبناءه يرقون السم كلهم دون أن يأخذوا رقية من أحد.. فعقب على ذلك بقوله إنهم لا يأخذون الرقية من أحد…
ثم سألني عن جدنا أحمد أكَذ المختار، المصلي في قبره.. هل تربطنا به علاقة نسب.. فقلت له إن جدتنا هي ملونه بنت عبد الله بن حبيني.. فقال لي إن هنالك ملونه بنت أحمد أكَذ المختار. فرد عليه ولد عمير إن هذه الأخيرة سمية الأولى..
فعقب على ذلك بأنها مدفونة مع (أتفاغات).. و سألني عن مكانهم.. فقلت له إنهم عند ( باجليلاي).. فسألني عن جهة المقبرة من البئر .. فقلت له إن صاحب نظم المدافن، المرحوم المختار بن جنكَي ذكرهما في أقصى الجنوب الغربي من إيكَيدي.. و هو القائل:
… و لستُ غير شمشوي دفنا@ في أرض إيكَيدي بذاكر هنا..
و كنتُ زرت ضريح ابن جنكَي هذا الصباح عند ملزم الزريبة..
فقال أحد أهل الحلقة إن مدفن أتفاغات يقع إلى الطنوب الشرقي من البئر ( باجليلاي)..
التحق بنا أحمد ولد سيدي ميله الذي تأخر عنا لبعض حاجته.. فقدمناه له.. فسألنا عن علاقتنا به.. فرد عليه ول عمير بأنه ابن خاله.. فسأله عن علاقة جده المرحوم سيدي ميله ببياده.. و هل حاول قتلة الأمير قتله هو الآخر.. فرد عليه أحمد بالإيجاب.. و سرد له إحدى تلك المحاولات التي احتاط لها جده حتى نجا منها.. و ما كاد ينهي كلامه حتى سأله عن المرأة التي اتخذ الرصاص من سوارها لقتل الأمير.. فأومأ أحمد إلى ول عمير الذي قال إن تلك المرأة تسمى فاطمة بنت اديد.. و لقبها إدو.. و هي جدته.. فردد الإجابة.. و أخذ في الدعاء لنا و للجمع.. بدأ دعاءه بآيات من القرآن الكريم.. ثم بأبيات من التوسل.. و أرجعت إلينا هواتفنا.. و معها زجاجة عطر.. ثم بدأ المجلس ينفض..
قبل أن نصل السيارة التحق بنا الصحفي السابق في قناة الجزيرة القطرية الأستاذ محمذ باب بن أتفاغه.. الذي هنأنا باللقاء.. و قال إن المرابط قال عند مجيئنا إنه سيخصص لنا بقية الدرس..
و كان ما كان مما لست أذكره@ فظن خيرا.. و لا تسأل عن الخبر..
و الحمد لله قبل هذا و بعده و الصلاة و السلام على سيد المرسلين و إمام الغر المحجلين.




Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى