الشرق اليوم

محمد ولد بربص يعلق على مقال د. ولد عبد المالك/: “هل خسرت الدولة ملف العبودية”

(تعليق)

بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله. و ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت و إليه أنيب.

قرأت مقال الدكتور الوزير، البكاي ولد عبد المالك: “هل خسرت الدولة ملف العبودية”. لم يتميز المقال حسب رأيي المتواضع بالجرأة فحسب، و صاحبه من بين من يحسبون على النظام و أركانه، بل كان الطرح جادا، لا خدش فيه، لغته و أسلوبه بسيطان و بمتناول الجميع. حاول فيه الوزير إعطاء صورة عن واقع ملف العبودية بأبعاده و أطرافه المعنية به مع تعميق في التحليل و الحلول التي يراها مناسبة.

و يزيد الأمر إيجابية و رقيا في الفكر، الحديث الواضح، السلس و إبداء الرأي بدون عصبية و لا انحياز و لا تجريح مخل.

نعم ، لقد لفت المقال انتباهي، و أنا ممن  يحسبون على معارضة ( …)، لا عيب فيما كتب عن الموضوع و إن اختلفت معه في بعضه بل بما أرغمني عليه من إبداء رأي أرجو أن يكون قيمة مضافة، و تكميلا لما تقاسمته مع الدكتور وتأكيدا و تعزيزا له ثم إسهاما بما حسبته ناقصا.

أجل كان الوصف لأداء الحكومة الحالية و سابقاتها و امتداداتهما واضحا و موضوعيا. فالمتتبع لثنايا هذا الملف، بالإضافة إلى ما قاله الدكتور الوزير، ينتابه الشك كثيرا  في صدقية و نزاهة التعامل معه  ليصل إلى البوح ربما مكرها بأنه مجرد “ذر رماد في الأعين” رغم وجود جميع المقومات المساعدة و المعززة للتعاطي الفعلي و الجاد و المثمر إزاءه ( مجتمع مدني و حقوقي وافر، أحزاب سياسية لها إسهامها المعتدل والفاحص و النصوح، محاكم قضائية مختصة، خارطة طريق حظيت بتعاط منقطع النظير من طرف كل الفاعلين رغم ما تحتويه من نواقص، رصد إمكانيات هائلة حري بها إخراج الدولة مما هي فيه من تعاسة فأحرى مشكل العبودية لوحده… ضف إلى ذلك الاستعداد الكامل و الصادق لضحايا الكارثة نفسها لبذل ما في وسعهم من أجل تجاوزها بدون إلحاق ذم و لا شتائم و لا مسؤولية لأي كان شخصا أو جماعة أو قبيلة أو مكونة أو جهة أو مجتمعا أو دولة أو تاريخا …

 فهذه الحكومة بارتباكها و تخبطها تنحاز تارة إلى ما تسميه أحيانا ب”المتطرفين” بإدارتها وقضائها و قوات أمنها و تديرهم الظهر أحيانا أخرى لتوظيف الطرف الآخر ممن يطلق عليهم اسم “الحمائم أو المعتدلين” و كأن كل ما يهمها هو التهدئة بالمسكنات ( و أي مسكنات ؟) لا العمل الجاد و لا البحث عن الحلول المناسبة و الجذرية.و يتمثل هذا بجلاء في أداء ما يسمى بوكالة التضامن (من بين  أداء هيئات و مؤسسات أخرى) التي لا تكاد تبين إلا في ما لا يخصها أصلا  مع العجز في وضوح في الرؤية و ضبابية في الاستراتيجيات  إن وجدا مما يجعل ما تقوم به هباء و سرابا. و تعود حليمة إلى عاداتها القديمة ( التعذر بأن الفقر يوجد في كل الفئات، ليس العبيد أو العبيد السابقين وحدهم المعنيين بالتمييز الإيجابي…إلخ) .فلا رؤية فاحصة، ناصحة و لا إستراتيجية مكتملة، ناجعة.

هذا عن بعض الوصف الذي جاء في المقال. أما عن الحلول، فوددت أن ألفت انتباه أخي المواطن الموريتاني من كان و أين كان و هو محط المؤازرة و الدعم الأول و الأخير إلى ما يلي:

-كيف لمن يبحث عن حلول لمعاناة مكونة أو شريحة (سموها ما شئتم) أو ضحايا قضية طالت ممارستها و استعصى حلها أن يهمش الفاعلين في حقلها و ضحاياها ؟ ليكونوا من يكونوا و لكن أليس ما يهم هو الأخذ و العطاء و مقارعة الحجة بالحجة لمن لا يريدون للقضية تدويلا و نحن من يقول أن ” الأجرب إحك له ألا فمه”؟ فمن أجل احتواء الصراع ،لا بد من الإشراك الفعلي لهذه القوى فاعلين ومستهدفين في كل مخطط  و محطة حتى تحظى القضية بالاهتمام المطلوب و الفهم الواعي المنشود. و بهذا و بهذا وحده يقطع دابر المتربصين بالدولة و حكوماتها من التوظيف السلبي لها و تصبح القضية قضية مجتمع بأكمله و دولة بجميع مكوناتها و مؤسساتها و إمكانياتها لا قضية شريحة و لا مكونة و لا جماعة و لا متاجرين و لا متاجر بهم مع أن مفهوم التدويل هذا في ظل عولمة فرضت نفسها واقتحمت باب كل بيت لم يعد له معنى و العالم  صار قرية واحدة تتراءى و يتفاعل بعضها مع و  بالبعض الآخر. فكل ما تعلق بدولة ما أصبح شأن كل دولة أخرى لوجود المنظمات الدولية و الإقليمية و القارية…إلخ. كما أن من إيجابيات التدويل هذا التعاون الدولي بالمد والتعاون المادي و الاقتصادي و الإستراتيجي و التجا ربي على الأقل.

أما القول بأن الحل ينحصر في الاقتصاد و التربية و إن كان رأي يردده الكثيرون، فرب ثري، عبد لغيره و لماله و رب حامل علم و هو لا يتجاوز أن يكون حمارا يحمل أسفارا.

 نعم فالاكتفاء الذاتي لضحايا الاسترقاق  بإمكانه تمكينهم من الاستقلال عن الآخر إلا أن ذلك ليس حتميا. فهناك من هم أغنى من أسيادهم و الأسياد هم  من يتحكمون فيهم . فما بالكم بما لهم من ممتلكات و ذرية و حتى فكر و رأي ( التركة، الحصص في محاصيل الحرث، استغلال الأبناء و البنات، التحكم في خياراتهم و ضمائرهم… إلخ)؟ و إذا  تلقى أحد الطرفين عبدا كان أو سيدا معارضة لتصرفاته جحدها و أخفاها ليرضى السيد “ابتغاء مرضاة الله” أو هكذا علموا و هكذا يقولون و يطبقون. و لن يكون إذن هذا الاستقلال أو الاستغناء إلا صوريا بحتا.

 فالتربية ببنيتها التحتية  و طاقمها الإداري و التربوي وإمكانياتها الحالية لا يتجاوز أن تكون ارتماء و ارتهانا في( و ل) غياهب كذبة طالما خيل إلينا أنها  العصا السحرية التي ستأتي بالحلول المنتظرة و لكن هيهات. أنسيتم سيدي الوزير مقالكم الفائت: ” المدرسة الموريتانية تعيد إنتاج الفوارق”؟  فإذا تكلمنا عن التربية فلا بد أن نتبين الأمر كما أشرنا إلى ذلك سالفا من حيث البنى التحتية و الطواقم الإدارية و التدريسية … و الأدوات التربوية و حتى المناخ المتاح لإخراج هذه المجتمعات من وحل السخرية منهم و هدر المال  العمومي المستمر بلا مبرر. فكلنا يعلم (يسمع و يرى) و يا حسرتاه، أنه لا “المتمدرس” ينتفع بوقته و بذهابه وإيابه إلى ومن المدرسة لأنه لا يجد فيها إلا الحبس بين أربع جدران و كأنه يؤطر لبغض المدرسة و من فيها ومن أتى بها. و لا الأهل الذين ينتظرون من المدرسة و من أبنائهم الدارسين التثقيف و التأطير و التوظيف، فالمال. فهم الظمآن الذي يحسب أن السراب ماء. و بعد الصبر المرير و المرير و التأكد من عدم جدوائية الأمر يولد العداء للمدرسة و ما يذكر بها لأن المدرسة لم تهدر الأحلام فحسب بل هدرت جهود أذرع كان من الممكن توظيفها فيما هو مثمر في العاجل: الزراعة، التنمية…إلخ، مهما كان عمر الصبي.

فلتكن المدرسة جزءا من الحل ( و لن تكون أكثر من ذلك). فلا بد من مراجعة الاستراتيجيات المتبعة اتجاه المستهدفين بصدق و نزاهة مع التربص الفاحص و التدقيق في الجدوائية والمردودية موازاة مع إقامة محاظر لتعميم التعليم على هذه الفئات الهشة و إتاحته للجميع بدءا بتشجيع الأبناء و ذويهم بمنح و رواتب شهرية تساعدهم على الصبر من أجل التعلم و الاستغناء عن بعض سواعدهم ولو لظرف معلوم و إقامة حضانات تأويهم  و منشآت خدماتية تقدم لهم ضروريات الحياة و تمويلات مدرة للدخل تعينهم على العيش الكريم…لتستفيد هذه الفئات  و أبناؤها من هذا التعليم و يتوارثه الجيل بعد الجيل لأنهم هم من  يستثمر نفسه لنفسه ولذويه و يعمر أرضه تجسيدا لتمييز إيجابي فاعل.

ومن البديهي فعلا التذكير بضرورة إعادة النظر في المنظومة التربوية كلها والعمل على إعداد الإصلاحات اللازمة و ملاءمتها مع متطلباتنا و تصحيح ما هي عليه من فوارق وأخطاء لا تخدم سوى التهميش و التفرقة و الانقسام.

و أما التوظيف، يا دكتور، أنا أحترم رأيكم ، لكنني لا أستسيغه و الحراطين يزيدون على نصف المجتمع الموريتاني بمكوناته كلها مجتمعة أي ما يقارب 60 في المائة. فكيف لا يسأل حميم حميما؟

-فمن بين ما يقارب 40 وزيرا فهل الحراطين يزيدون على الاثنين؟

-ومن بين ما يقارب 40 من أمناء عامين للوزارات  فهل الحراطين بأكثر من ذلك العدد أعلاه؟

-ومن بين ما يساوي ممثلياتنا الدبلوماسية نكاد لا نجد أكثر من واحد من بينهم ؟

-ومن بين عشرات مديري المؤسسات الكبرى كم هم؟

-ومن بين مديري القطاعات الصغرى أين هم؟

-ومن بين عشرات رؤساء مجالس إدارة المؤسسات كم هم و في أيهم؟

-ومن بين المنتخبين سواء كانوا نوابا أو شيوخا أو عمدا أو حتى مستشارين بلديين، كم هم وأين هم ؟  (و حتى في مناطق سكنهم  و كثافتهم يجلب لهم غيرهم ليترشح باسمهم لأنهم “قاصرون”

-وفي قيادات أركان الجيش و الدرك و الحرس و الأمن من بينهم يقود إحدى هذه المؤسسات؟

 “يحكى” أن هناك قطاعا كمثال لا الحصر يحتوي على ما يزيد على 200 ضابط سام. فليس من بين هؤلاء سوى أقل من العشرة بكثير حراطين  من متوسطي الرتب إذا لم نستثن  منهم نصف هذا العدد من الضباط السالفي الذكر  يهربون و يهرعون من نعتهم بحراطين . و ما يزيد على العشرين دفعة الأخيرة المتتالية للضباط و لا فيها و لا حرطاني واحد! ناهيك عن التكوينات و الترقيات و المناصب ذات المرد ودية و النفع  أو الانتفاع ،في الوقت الذي سواد هذه الأركان حراطين و ليسوا بأقلهم معرفة و لا تألقا ولا تضحية و لا انضباطا و لا حتى استعدادا في خدمة الوطن و لا القائد و إن سفلت رتبته؟

نرى و نسمع أن أبناء النافذين في الدولة سواء تعلق الأمر بالمدنيين أو العسكريين أو قوات الأمن لا يخضعون دائما للمسابقات التي تنظم لاختيار المؤهلين للخدمة في الوقت الذي لا يمتلكون لا المؤهلات العلمية و لا الأخلاقية (حدث و لا تسأل) و هم من يتربعون على الرتب العليا و يتخيرون في أهم التخصصات. فنتعرف على عمرو، ذلك المدلل بالأمس، الفاشل في دراسته و حياته الاجتماعية، المتهور في جميع تصرفاته فإذا به من دفعة لن تراه كثيرا أو حتى قط لا على طاولات الدرس و لا في قاعات المطالعة و لا حتى في قاعات الامتحان و هو من يتخير له في التخصصات المتاحة (و الي حس بمترق في الخبطة إفيتقو). ترى هل إذا حظي أبناء الحراطين بهذا التمييز من الجاه و النفوذ و الوظائف السامية أو ذاك  من البذخ المادي لن يمكنهم ذلك  من القيام بما قام به غيرهم أو الحصول على ما حصل عليه غيرهم؟ ألن تكون لديهم من النخوة أن يمدوا ذويهم بما أمد البعض الآخر به ذويهم ليصلوا إلى ما وصل إليه غيرهم؟. هذا مع العلم أن الاقتصاد و المال  إن دبرا أحسن تدبير و استفيد منهما أحسن استفادة لن يكونا إلا جزء من الحل هما أيضا من بين أمور أخرى عدة سنتطرق لها لاحقا.

لماذا إذن و الدولة في أواخر سادس عقدها بعد الاستقلال و لا مرة واحدة حظي الحراطين بأكثرية في الحكومة ولا النصف و لا الثلث و لا ولا … و لا في وظائف سامية أخرى كما استطردنا سالفا بل لا يتولون إلا ما انحط و هجر من الأعمال في مجتمعنا، في الوقت الذي يراعى فيه و يشترط وجود الوولفي و السوننكي و البولاري خوفا من تهميشهم ( هؤلاء الذين لا نذكر هنا إلا للنزاهة الفكرية واستنطاقا للواقع البحت). و أما البيظاني فحدث ولا تسأل، فهو له نصيب الأسد حقا لا كرامة.

فإذا تعلق المعيار بالجهة فالحراطين من كل الجهات. و إذا تعلق بالقبيلة أو الفخذ أو المكونة فهم منها و لا من أقلها عددا.و إن تعلق بالمؤهلات فالحراطين صاروا ينافسون غيرهم في كل شيء(ونحن أهل اتويميرت و متعارفين). يقاد الحرطاني في الجيش و في الوزارة و في الإدارة و في كل شيء ممن كان يقودهم في أكثر من حال ذلك الحرطاني في المدرسة وفي التكوين وفي غير ذلك. لو أنصف الحراطين فيما لهم  لاستغنوا عن ما يسمى بالتمييز الإيجابي المذكور ولا يكاد يبين و المرفوض هو الآخر بعنجهية و غطرسة بلا هوادة.

و يقول البعض الحراطين “بيظان” و البيظان يمثلونهم. ألن يأتي ذلك الوقت، أو ذلك اليوم  أو تلك السنة، أو ذلك العهد، أو تلك اللحظة  أو ذلك الظرف في الزمان أو المكان الذي سيتولى فيها  الحراطين تمثيل البيظان؟ لقد كتبت عن هذا الواقع كثيرا و سأكتفي بما كتبت هنا عن هذه الظواهر.

دعيت يوما من طرف معهد لحضور ندوة لنقاش مواضيع ذات أهمية وطنية بالغة كان من بينها مشكل الحراطين. و إذا بي و أنا أنتظر الموضوع بحماس و شوق ومرتاح باهتمام طبقتنا الثقافية بتناول هذه الإشكالية  أمام  عنوان بما معناه تقريبا( و أستسمح القارئ لعدم إيجاد الفرصة لإخراج البحث من أزقة مكتبتي المتواضعة ) الحراطين: شخصية نهائية  لمكونة أو محطة للوصول إلى عروبة نهائية. لن أخفي كم كانت تعاستي و دهشتي و الإذلال و الإهانة الذين أحسست بهما و أنا الذي كنت أظن أنني لن أكون موضوع بحث هذا نوعه وقد حددت سلفا مع قومي و زملائي في الحر أن الحراطين عرب. ضاق صدري و رجفت أحاسيسي و ابتلت جفنتي و أنا أتصور نفسي كتلك الضفدعة في أوائل نموها. فلما أتيحت لي فرصة الإدلاء  بمداخلتي و عبرت عن ذلك الشعور كنت أنا الخاطئ عند قومي لأن كل شيء يمكنه أن يكون محط بحث. و إذا كان الأمر هكذا فكيف نهول و نصب اللعنات على من ارتأى أن علينا أن نكون دولة فدرالية أو أن نعيد تأسيس أو تسمية موريتانيا ما دام  كل رأي مقبول طرحه و يمكن أن يكون موضوع أي بحث كان إذن؟

و لما خرجنا للاستراحة قال لي أحدهم “البيظان و الحراطين ” شيء واحد. كلهم بيظان. فرددت قائلا: ما داموا سواء لماذا لا نقبل و لو لوهلة أن نكون كلنا “حراطين”. تعرفون قطعا ما كان من ردوده. “لاش يكفينا أن نكون بيظان و توف”. 

الكل لا يفوته أن أبسط ما باستطاعة المتوفر على المناصب المذكورة أعلاه أنه بمقدوره وأقل ما يمكنه القيام به تحمل تدريس ابنه و توفير مخصصاته و مستلزماته مما يؤهله إلى ما لن يرتقي إليه غيره . و أنه بعلاقاته و نفوذه و المعلومات المتوفرة لديه يمكنه أن يجد لذلك “القريب” أو لمعرفة ما وظيفة يعيل بها هذا  الأخير على ذويه و تسهل لهم ما لن يسهل على غيرهم. فقرابته بفلان أو علان توفر لهذا أو ذاك على الأقل سقف البيت و مناخه و ما يفوح به من ثقافة و علم و كتاب و نور يساعد في المطالعة و التثقيف.و يكفي القريب أن يحظى بالتفرغ لخدمة قائده أو وزيره أو مديره…ليسرح و يمرح فيما اشتهته نفسه. إن أعانه الله على التألق في الدراسة فذلك متاح له مع كونه يستفيد من التدريبات و التكوينات عكس ذلك الذي يكد و يجد ليل نهار و لا يكاد يجد وقتا لصلاته.

أما ما لم يذكره الوزير فسأتطرق إليه في أمور أربعة  على سبيل المثال لا الحصر،أظن أنها ذات أهمية في هذا الميدان و هي:

-أولا :تحديد هؤلاء المستهدفين بإحصاء جاد و دقيق يأخذ بعين الاعتبار كل الاستفهامات المطروحة أدناه و أكثر. فكيف نتشدق بعلاج مشكل قوم و نحن لا نعرف

-من هم؟

-أين هم بالضبط في أرضنا و وطننا؟

-كم عددهم؟

-ماذا ينقصهم؟

-ماذا قمنا به حتى الآن من أجلهم؟

-ماذا علينا القيام به من أجلهم؟

بالله عليكم ،ما هذا؟ و لماذا هذا؟ و من يقوم بهذا؟ و ماذا يراد بهذا؟… و كأني بطبيب يحاول علاج شخص و هو لم يتعرف بعد لا على مرضه و لا على أعراض مرضه و لا على مكان المرض في جسده و يعطيه وصفة ويتبجح بأدائه و يقول كفي سيشفى. لقد قمت باللازم. أليس هذا هو التخبط بذاته؟ لن يشفى المريض في أغلب الحالات و قد يصاب بمضاعفات تسبب له من الأمراض ما هو أخطر.

و إذا كان الشخص مصابا بسرطان فماذا سيكون مصيره؟ إذا لم يشخص الطبيب المرض لمعرفته و تحديد مكانه بالضبط، فإنه سيقوم ببتر إما بأبعد من العضو المصاب و يعيق المريض في جسده بدون مبرر و هذا للأسف هو أحسن حال أما إذا بتر جزءا فقط من العضو المصاب فسينتشر المرض و تكون المعاناة أكبر و أطول ، فبتر أطراف بعد بتر أخرى حتى يأتي المرض على المريض  و يقتله.

وأما إذا كان مرضه وباء فتلك الكارثة فسيتسلل المرض إلى غيره و تكون الإبادة.

مثال آخر: هناك حريق. انتقل رجال الإطفاء للتغلب عليه. فأصحابنا لم يحددوا لا المساحة التي انتشر فيها الحريق و لا حجمه ولا قوته و شراسته و لا مسبباته، فهل يأتون عليه؟ في أغلب الأحيان، لا. قد يظنون عن حسن نية أو عن بلادة أو عن تآمر قصد إلحاق ضرر أنهم تغلبوا عليه و بعد فتور منهم يستعيد الحريق قوته و وحشيته و ينتشر أكثر في محيطه و يأتي على الأخضر و اليابس و البشر و الحيوان.

أهذا تشجيع للركون إلى معالجاتنا التقليدية للأمور و النكوص عن العلم و مزاياه و تجارب الأمم بإحياء نفوذ منجمينا و أشياخ  طرقنا و مشعوذ ينا و نحن في القرن الواحد و العشرين أو هو استهزاء بضحايا داء الغبن و التهميش و الاستغلال للآخر؟

لن يكون هذا حسب ظني ما نريده و نتوخاه من معالجاتنا لهذا الداء، داء العبودية والاسترقاق.

 لكن بدون معرفة هذه المعطيات و نشرها و دمقرطتها  بحيث يعرفها  الكل و يدلي كل بدلوه من أجل مد يد العون لحلها فلن نقوم بأي شيء كان إلا و نقص و جاء دون المطلوب بطبيعة الحال.

-ثانيا : التعاطي الإيجابي مع إشكاليات المربع الثقيل : التاريخ و النظم الاجتماعية والاسقاطات الثقافية و التأثيرات السيكولوجية. ذكرت هذا الرباعي في كلمة واحدة للارتباط الوثيق بين بعضه البعض.

وأما التاريخ و غياهبه فهو الذي جاء بالعبودية و بظلمها و ظلامها قهرا للأخ لخدمة أخيه قرونا بعد قرون و شعبا بعد شعب و أجيالا تورث لأجيال.

و أما المجتمع بنظمه و غطرسته فهو من وضع قوانين هذا الاستغلال و طور ووظف قوته وسطوته لاعتماد هذه النظم و تطبيقها.

و أما الثقافة فكانت الجسر و الوسيلة و المطية التي رسخت عبر الأجيال هذه الممارسة.

فتولد عن هذه العوامل  الثلاثة من تاريخ و نظم اجتماعية و ثقافة سيكولوجيا عقد طالت عاداتنا و تجذرت في وجداننا بالفوقية لصالح البعض و الدونية على حساب الآخرين.

أرأيتم أحبائي كيف نسجت هذه العوامل علاقات بعضنا بالبعض؟

فعلينا معرفة تاريخنا في خيره و شره للاستغناء عما فيه مما يبعد بعضنا عن البعض ولترسيخ و لتوطيد ما فيه مما يدعم وحدتنا و تعايشنا و تماسكنا..

 أما مجتمعنا فنطبعه طبعة مستوية يكون من خلالها صحوة العدل و المساواة و الأخوة  والمحبة المتبادلة و المواطنة المتكاملة تكون الثقافة و العادات المحمدية حامل أفكاره و آدابه و أخلاقه و عقده المجتمعي البناء و الجامع  لتستقي سيكولوجياتنا بهذه الشيم (هروبا مما شهدناه و عشناه “مرهوبين مذعورين” في متابعتنا للسجال الشرس، المحتدم و الساخن الذي دار على خلفية “التعيير بدونية الحراطين”  بين مثقفينا الكنتي و ولد سيدي عبد الله و من والى كل منهما هذه الأيام الأخيرة) و نكون الجسم الواحد إذا اشتكى منه عضو سهر له كله بالألم و الحمى إناءه دولة قانون و ديمقراطية بامتداداتها من حكومة و قادة رأي و مسئولي أقاليم و منتخبين و مدرسين و مهندسين( و…) فجيشها و دركها و حرسها  و قوات أمنها ومواطنها العادي “جنديها المجهول” بالتعاون و التوجيه النصوح  و الفاحص من فقهائها وعلمائها و مشايخها  تذوب فيها الفوارق و الجهات و تنصهر فيها كل الطاقات.

و أما الثالث و قد تكلمنا عنه في بعض محطاتنا و لن نسهب فيه هنا فهو ذلك التمييز الإيجابي الغير مفهوم الأبعاد من البعض. إذا كنا نتفق على بعض الأوصاف السالفة الذكر من الفقر والجهل و التهميش و الإقصاء كمعاناة للحراطين مع قوة المحسوبية التي مازالت تنهش مجتمعنا فكيف لا نستسيغ و نقبل بمعالجة الفوارق الحاصلة و لو لفترة بتمييز إيجابي مدروس هادف يخرجنا من مغبات و مطبات الظلم و الغبن مقصود كان أو غير ذلك؟

و كيف نتفهمه لصالح الشباب و المرأة و لا يكون ذلك متاحا إذا تعلق الأمر بمكونة أو شريحة أو مجموعة (لا يهم هنا المفهوم و لا التسمية) و هي الحراطين؟ أليس ذلك بالمريب لمن يريد إصلاحا و تقسيما عادلا لما تفوح به أرضنا من خيرات ؟

 وأما الرابع و الأخير و هو الحاضن لما سبق ذكره فهو الإرادة السياسية الفعلية الفاعلة والمؤثرة إيجابا و ليست تلك التي يراد بها التسويق مع التسويف و التسفيه و المغالطات كما شاهدنا في حملات التحسيس 2007 بعد إقرار قانون تحريم و تجريم العبودية و ما عرفت من تجاذبات و تناقضات طبعت تصرفات من وكلوا بإيصال “الموقف و القرار”. و أي موقف و أي قرار لتلك القوافل التي ما انسجم فيها إثنان. و تاه العارف و الجاهل بين طرح ذاك الذي يعلن وجود العبودية و يطالب بالشجاعة اللازمة لاستئصالها و ذلك الذي يكذبه علنا و يصفه بتسويق و تدويل قضية لم تكن موجودة إلا في أذهان البعض حسب قوله وذلك القطب الثالث الذي يهدد بالحبس من قال بوجود العبودية محتسبا أنه ليس إلا بساب و مفتر على الدولة و المجتمع  إن هو عيرهما بهذا الداء المشين.

لا،  فنحن نريد إرادة سياسية جادة و مجتمعا متماسكا يدافع  عن بكرة أبيه عن حقائق صيغت و اتفق على تبليغها ليتقبل المتلقي أقوالنا مدعمة بأفعالنا و حسن أدائنا تشبثا بما تمليه علينا ضمائرنا الحية و المصلحة العليا لدولتنا.

بهذا أساسا و حسب رأينا المتواضع، نساعد على الحل لهذا المشكل الشائك مع العلم أنه سيأخد وقتا يكون طويلا أو قصيرا  نسبيا حسب ذاك الذي يعاني أو ذلك الذي يرى و يسمع  . أما غيره فلن يكون إلا “أسطورة سيزيف”  إما عن قصد لتطول معاناة العبيد و العبيد السابقين تأكيدا لقول بعضهم “إذا أعطوا حقهم سيعموا عليكم” كما كان يقول و بدون أي خجل مفوض شرطة في الألفين قريبا أو متقربا من النظام محذرا “الناس من كثرة الحراطين و تناسلهم الجنوني.  و للاحتراز كان يكبل أبناءهم بجرائم سواء ارتكبوها أو لم يرتكبوها وكان يشكل لذلك الغرض دوريات لالتقاطهم في الشوارع و إخوتهم و زملاءهم من البيظان بجانبهم لا يسألون حتى عن مبررات وجودهم ليعود أبناء الحراطين إلى السجن و التخلق بعادات أهله و فصلهم بالتغييب المتكرر عن المدرسة ليتيهوا كما هو حال أكثرهم الآن.

ما أخلص إليه هنا  و أنا كلي أحلام و آمال ستتحقق إن شاء الله إسهاما و تضحية من كل الغيورين على المصلحة العليا هو أنني أهيب بالموريتانيين مهما كانت مكوناتهم و مشاربهم و جهاتهم و أقول لهم ولنفسي أنه أفضل لنا أن يحكمنا عاقل متعلم، واع لما له و ما عليه، محب لوطنه و مواطنيه، من أن يحكمنا جاهل حقود باغض متغطرس و منحط ،محط و منبع سوء. و الظلم و القهر و التهميش و غيرهم من مسببات المعاناة لا يولدون إلا الانفجار بل الدمار.

أعاذنا الله و المسلمين من ذلك. فهل نحن منتبهون؟

هذا قليل من فيض. و ما أريد إلا الإصلاح ما استطعت.و الله استغفره و إليه أتوب.

محمد ولد بربص




Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى